الشيخ الطوسي

399

التبيان في تفسير القرآن

بالسنة المقطوع بها . فذلك موقوف على الأدلة . وقوله : " نأت بخير منها " لا يدل على أن السنة خير من القرآن ، لان المراد بذلك نأت بخير منها من باب المصلحة . على أن قوله : " نأت بخير منها " فمن أين ان ذلك الخبر يكون ناسخا . فلا متعلق في الآية يمنع من ذلك . والأولى جوازه . على أن هذا وإن كان جائزا ، فعندنا انه لم يقع ، لأنه لا شئ من ظواهر القرآن يمكن ان يدعى انه منسوخ بالسنة اجماعا ، ولا بدليل يوجب العلم . وأعيان المسائل فيها خلاف ، نذكر ما عندنا فيه - إذا مررنا بتأويل ذلك . واما ما روي عن ابن سعيد ابن المسيب من أنه كان يقرأ ( أو تنسها ) بالتاء المعجمة من فوق ، وفتح السين - فشاذ ، لا نلتفت إليه ، لأنا قد بينا ان النبي " ص " لا يجوز عليه ان ينسى شيئا من وحي الله . وكذلك ما روي عن أبي رحا العطاردي " ننسها " بضم النون الأولى ، وفتح الأخرى ، وتشديد السين - ذكرها شاذة . وفي الآية دليل على أن القرآن غير الله ، وان الله هو المحدث له ، والقادر عليه ، لان ما كان بعضه خيرا من بعض ، أو شرا من بعض ، فهو غير الله لا محالة . وفيها دليل ان الله قادر عليه ، وما كان داخلا تحت القدرة ، فهو فعل ، والفعل لا يكون إلا محدثا ، ولأنه لو كان قديما لما صح وجود النسخ فيه ، لأنه إذا كان الجميع حاصلا فيما لم يزل ، فليس بعضه بان يكون ناسخا ، والاخر منسوخا بأولى من العكس . فان قيل : لم قال : " ألم تعلم أن الله " أو ما كان النبي " ص " عالما بان الله على كل شئ قدير ؟ قلنا عنه جوابان : أحدهما - ان معنى قوله : " ألم تعلم " اما علمت ؟ والثاني - انه خرج ذلك مخرج التقرير ، كما قال : " أأنت قلت للناس " ( 1 ) . وفيه جواب ثالث - انه خطاب للنبي " ص " والمراد أمته ، بدلالة قوله بعد ذلك : " وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير " .

--> ( 1 ) سورة المائدة آية 116